الشّعر والميتافيزيقيا، القصيدة الجاهليّة أنموذجا

  • كاظم حمد محراث, أ.م.د. جامعة واسط / كلية التربية للعلوم الانسانية

Abstract

    يستوعب الفكر الغيبيّ الإنسانيّ مجمل الأفكار والمعتقدات التي لو سُئِل الإنسانُ عن مصدر رسوخها في مخيّلته، وعن سبب ارتمائها في ذهنيتّه، لأحالها إلى دوافع غيبيّة غير محسوسة، وسيأتي مع هذه الأفكار حشدٌ من التّخيُّلات والإيماءات والرّموز التي أحالتها بيئة الإنسان المعيشة، ومخاوفه الذّاتية، وهمومه النّفسية، إلى أفكار خَفِيَت جذورها من المعاينة الظاهرة، ومِلْنا إلى جَعْلِها متأتيةً من إسقاطات معتقدات الأسلاف الموغلين في البعد التاريخي وعباداتهم وتوجُّساتهم من الشّرور المُحْدِقة بهم في الوجود.

    والحقّ أنّ أواصر غامضة تربط الشّعر بعالم الغيبيّات، فبعض القصائد الرائعة تُحْدِث صدمة "Shock" في النّفس تماثل ومضات فلسفية عميقة تكشف على حين فجأة عن قرارة الوجود الإنسانيّ، أو أعماق الطبيعة البشرية(1). والقصيدة العميقة قلّما تكشف لمتلقِّيها عن وقائع خاصّة يُدْرِكُها للمرّة الأولى، ولا تكاد تخبره عن شي يجهله عن عالمه الخارجي، وإنما تجيء فتعبر بطريقة أصيلة عن إحساس غامض كان يعتوره، أو تجربة عميقة سبق أن مرّ بها، أو حيرة نفسيّة دقيقة اجتازها في وقت من الأوقات. وهنا يظهر إبداع الشّاعر في توظيف اللغة واستعمالها، وتبرز قدرته على نقل الألفاظ من مجرد رموز تدلّ على معانٍ، وجعلها تشير بطريقة خفيّة إلى عمق الحياة وسرّ الوجود، وعند ذاك ينتزع الشّاعر اعترافا بنجاحه في جعل النّفس تمسك بفكرة جديدة، كانت تتوق إلى تمثُّلِها لولا عــَوْز الموهبة ونقص القدرة على التّمثيل.

    شغلت دراسة الفكر الإنسانيّ الموروث بالَ الدّارسين قديما وحديثا، رغبةً منهم في معرفة الممارسات الغيبية وطقوسها والأساطير المركوزة في عمق الذّاكرة الإنسانيّة، والوقوف على تشابه تلك المعتقدات بين أمم الأرض، واختلاف بعضها بحسب الظروف المحيطة بالنشأة  والنمو والتطور. و(( كانت تلك الأفكار من أعمق منجزات الرّوح الإنسانيّة المليئة بالتّأمل العميق، وكانت الخلق الملهم لعقول شاعريّة خياليّة موهوبة سليمة لم يُفْسِدْها تيار العقل التّحليليّ والفحص الدقيق الذي لا روحَ فيه))(2).

    وحقا أن الإنسان الجاهلي لم ينجب فلاسفة يظاهرون فلاسفة الأمم الأخرى، وان شعراء ذلك العصر لم يكونوا يوما فلاسفة يبرهنون نظريات، ولكنهم مع ذك قدّموا الدليل على أن الإنسان العربي قبل الإسلام لم يكن في حاجة إلى حقائق تخدمه وتنفعه، بل هو في حاجة إلى حقائق وقضايا يخدمها ويتعلق بها، ويخلص لها، تمثلت عنده؛ بالانتماء القومي تارة، وبالولاء القبلي تارة أخرى. بالتشبث بالمرأة وقضاء وطر الحياة معها، أو ببلوغ الخلود المعنوي بممارسة شتى ضروب الكرم والجود والفروسية، بعد اليأس من نيل الخلود المادي... غير أن واحدة من تلك القضايا أو كلها، لم تكن قادرة على جعل الجانب الروحي مستقرا عند الإنسان الجاهلي، ولم يكن معتقدا باعتناق هذه القضية أو تلك، ولكن لما بزغ نور الهداية، وجد في الإسلام قضية تستحق الولاء، وحقيقة جديرة بالإخلاص، فضحّى حدّ الفناء في سبيلها.

    كانت القصيدة الجاهلية أقدر وسيلة فنية في التعبير عن متناقضات الوجود الإنساني بما يجيء معها من صراع وتوتر وتمزق وقلق، ذلك أن كثيرا من هذه المعاني لا يقصدها الشاعر قصدا، لأنها ليست في شعوره الواعي، بل كثيرا ما يعبر عنها في حالة من حالات لاوعيه، أو غيبوبته الشعرية، ونحن نعرف كيف عبّر طرفة بن العبد وأضرابه عن مظاهر هذا التناقض. وهنا قد يعترض البعض على التقريب بين الفلسفة ومضامين الشعر العربي قبل الإسلام، بدعوى أنه ليس في ذلك الشعر أي موضع للتفكير الفلسفي، ولم تكن عقلية الإنسان الجاهلي قادرة على إشاعة سر الحقيقة القدسية الإلهية، إذ لم يكن الشعراء الجاهليون آلهة، وليسوا أنصاف آلهة، وليسوا وسطاء بين الآلهة والبشر، بل لم تكن نظرة الناس تتعدى وضعهم في منزلة الشعراء، ولكن رسالة الشاعر الجاهلي كثيرا ما كانت تنحصر في إظهار الحقيقة القدسية الكامنة في قلب الوجود، وبدا الشاعر الجاهلي  كأنه حامل رسالة كبرى، لأنه لابد أن يضطلع بمهمة التعبير عن تلك الرموز أو العلامات التي هي لغة الآلهة منذ القدم... فحين يؤمن الشاعر الجاهلي سلبيا بالقدر، وحين يخشى السرّ الكامن في الوجود، وحين يشعر بالزمن الفاني وبالوجود المنتصر، فذلك يعني أن وظيفته تبدأ حين يأخذ على عاتقه الإفضاء إلى الناس بسرِّ خبرته الروحية، وأن يعلن إلى الملأ حقيقة الشيء المقدس الذي أتيح له الوقوف عليه.

وجد الشّعراء الجاهليّون حلّا لمشاكلهم الفكرية على طريقتهم الخاصّة، وتمكّنوا من استيعاب مختلف المواقف محتملة الوقوع في حياتهم، ولاسيما تلك المتعلِّقة بعلاقتهم مع الطبيعة، وأظهر شعرهم إحساسا جميلا بالوجود، ووقف طويلا على القيم الإنسانيّة النبيلة، وتمكّن الشّعر الجاهلي من عرض فهم ذلك الإنسان لطبيعة العلاقة بين الإنسان والكون.

Downloads

Download data is not yet available.
Published
2019-07-23