شعرية النثر
DOI:
https://doi.org/10.31185/eduj.Vol1.Iss32.557چکیده
يظل النقاد يرجعون كل مصطلح الى اصوله ونشأته ، ويظل بحثهم شاملا في اصوله في التاريخ وتتبع تطوراته واللغة ومدى احتكاكه مع اللغات والثقافات الأخرى ، ثم مدى تطابقه على ادبيات اللغة الأم ، وعلى هذا كانت الشعرية لها الأثر في النقاد ، إلا أنه لو تصفحنا كتاب أي دارس لوجدنا أنهم يقفون عند ارسطو ، فيظل مفهوم الشعرية عائماً,هل كما وصفها ارسطو أم أنه مجرد انطلاقة عبر التاريخ، إلا أن الجنين أكتمل في العصر الحديث وبعد انطلاق كم هائل من الدراسات اللسانية و الشكلانية والتوليدية والتحويلية و السيميائية للتضافر كلها في عصر بات الشكل عنصراً وليس أساساً ، وكذلك المعنى او المضمون .
يمكن أن تكون البنيوية هي الأداة التي نحتت الشعرية وصقلتها بعد أن اهتم البنييون بالمفردة من دراسات ومدى علاقتها ببنائها ومدى علاقتها ببناء الجملة أي تلك العلاقة الرابطة التي تشع منها صوراً ومعاني وتشتق لبناء معنى آخر ، لذا قاربتها الشعرية على أنها لا تهتم بالشيء دون الشيء الآخر ، وبالأدق فأنها تهتم بربط آلية الكماليات الفنية انطلاقاً مما يعطيه الحرف من ديناميكية في الصوت كإيقاع ومدى ارتباطه بالدفع – الديالتيك – مع المفردة كصوت واحد يرمز لمعنى او يعطي معاني أخرى ترتبط بإيقاعات الجملة وتناسقها .
الدلالة اخذت ارتباطاً آخر كشف عن البحث المضني ، ليس لأنها أخرجت الينا تصورات حول المفردة، بل لأنها ربطت المفاهيم وبين الدال والمدلول ، والربط هذا الذي عنى بمسافات راهنة تتموقع بذات الشعرية الخارجة من ظل كل الاحكام والبعيدة عن كل النظم بالعدول او الانزياح او الخيال جعلت الشعرية تأخذ استقلالاً ذاتياً في ذاتها ، حتى أعطت دلالات خاصة بالحرف عند ارتباطه بالنبر او المقطع ليعطي معنى آخر وتوسع غير منضبط في الخيال ، وإن ذهب بعض الدارسين إلى أنه لا يمكن أن يضبط او على الأقل يقترب انضباط دلالي للحرف او الصوت ،واعتقد بعضهم أن دلالة الصوت وهم في انتاجه معنى يشق الى ذهنية الاذن من ترنيمة او نبرة او مقطع أعطاه ذلك الحرف.
الشعرية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالبنية والتركيب وما يعطيه من انساق لغوية ، او اقرب الى نبوءات لتلك المفردة من أخيلة تتعدى الواقع او تدور حوله ، وتخلق فجوة او انزياحاً بعيداً عن اصل الكلمة ، ربما ذلك بمعين آخر كالاستعارة او التشبيه ، في خلق انزياح يضع البنية تبتعد عن اصلها وإن كانت ثابتة للعيان أنها باكتمال المعنى لا تدل على معناها الأصلي ، فالخد كالورد ، تعطي انطباعاً اخر بين متشابهين ، انزاح به فكر المتلقي بعد انزياح كبير تنشقه المتكلم وتعايش بسحره بتصورات ألوان جميلة تأخذه بين الخد والورد هذا الانزياح هو الذي تتبناه الشعرية بأن تخلق فجوة او مسافة من التوتر جزءاً منه إرادي يعتاش فيه الانسان وجزء يأخذه الى عالم آخر من الخيال؛ ليخلق ويستجلب كل الورود ليطابق مع الخد المرئي .
يعتقد بعض النقاد والكتاب أن العرب لم يفهموا تعريف الشعر عند ارسطو بالمفهوم الذي يقصده من دراسته ليس أن الشعر عبارة عن وزن مقفى ، كما اعتاد النقاد أن يعبروا عنه ومنهم مثلا طه حسين في تعريفه لأدب الجاحظ وبلاغته ، في أن الجاحظ لم يفهم ترجمة كتاب ارسطو للشعر او مدلولاته ومدى علاقته بربط الموسيقى مع القافية ومدى علاقتهما بالمعنى ، أي أنه ليس ذلك الترنيم الذي تطرب اليه الآذن لأنه جاء على نسق في أنغامه مع وحدة القصيدة ، إن كان فيه علة او زحافا ، فأن الأنساق النغمية هي متواصلة كما يراها العرب وما أكدته الدراسات التي قدمها محمد مندور في المعهد البريطاني للموسيقى على قصيدة أمرئ القيس أن النسق لم يؤثر فيه الزحاف الذي حول فعولن الى فعول //٥/٥ الى //٥/ وأن النوته تقفز الى التي بعدها من دون اشعار الآذن أن هناك شيء محذوف ، لذا يرى طه حسين أن الجاحظ على الرغم من تعريفه للشعر وبيانه لم يستطع فهم ارسطو لتعريف الشعر ، وذلك إما لأن الترجمة في حينها قاصرة عن الترجمة الأدبية ، واكتفت باللفظ للفظ ، او أن الجاحظ أصلا لم تصل الى ذهنيته معرفة الشعرية بالمعنى التي تربط العلاقة الفنية مع بعضها وليس أنه شعر موزون ومقفى .
بينما يعتقد بعض النقاد والدارسين أن الفلاسفة العرب وبعد ترجمة كتاب ارسطو وجدوا أن ارسطو قد نسى او أهمل وربما انه جهل الفن الغنائي وكثير ما يرتبط بين مقاطع الصوت النبري للفن الغناء ومنهم الفارابي بعد دراسته لفلسفة شعر أرسطو الذي سماه حكيماً ، لذا رأوا ان توصيفه للشعر جاء فيه نقصاً ، اعتل بكثير من المواطن التي لم تتشابه مع أصول الشعرية العربية ، وهذا ما وجه بعض النقاد الى تضاد مع أن الشعرية كمصطلح او أن الشعرية القديمة بتوصيفات الشعر ليس بالمعنى المؤثر من ارسطو كما أعتقد بعضهم أن العرب عرفوا تلك التخريجات الفنية للشعر من ارسطو ولم يكن قبل الترجمة بذلك الوضوح التي تدرج فيه العرب ، إلا أن رأي الفارابي وآخرون في نقدهم لأرسطو جعل الخيار أن العرب كانوا قد وضعوا دراساتهم قبل رحلة كتاب ارسطو وأفكاره في الشعر ، والشعرية العربية القديمة وإن كانت لها أثر مع الحضارات الثقافية العالمية إلا أنها ذات استقلالية عربية ، أما الحديثة فهي جاءت مما يربطها ما بين ارث قديم وتطورات حديثها ، جعلت الشعرية تهتم في التركيب وجماله اللغوي من بلاغة في بيانه ومعانيه بديعه .
فالشعرية تدل على مدى علاقة التركيب في فحوى النص، وعلاقة البنية مع ذاتها ثم مع تناسقها مع النص فهي لا تخص الشعر بذلك فحسب، وإنما تخص النثر وأن كل كلام يقال هو دائر تحت محكتها حتى تخرجه أما أنه كلام عادي او أنه كلام فني يرقى الى مستوى عالٍ من الأدب .
تسعى الشعرية الى ربط تركيب اللغة في اطروحاتها مع العلاقة التي تثير ذلك التركيب في المتلقي من خلال وضع المحسوسات في النفس ، مع الدلالات إن كانت لغوية او نحوية او بلاغية او ايقاعية ، في شمولية تتمحور في إيصال النص الى المتلقي بأبهى معنى وأدق صورة .
دانلودها
مراجع
