هندسة المقدّس : عمارة المكان المطهّــر بين الوظيفة والمثال دراسة ثقافية
DOI:
https://doi.org/10.31185/eduj.Vol3.Iss3.943Abstract
يُعرّف الدين في العادة بوصفه نظاماً ثقافياً معنيّاً بابتكار هامشٍ يقينيٍّ اصطناعيٍّ، يسعى لتوحيد روح الجماعة ودمجها من خلال تقديم رؤيةٍ مشتركةٍ لها تخصّ النظرة إلى العالم ،وما بعد الحياة ،وإعطائه تحليلاً تأويلياً للغيبيات المقدسة، يعتمد بالدرجة الأولى في ذلك على تكثيف البعد الرمزي في تلقي الممارسة الدينية ،بما يجعلها أكثر واقعية، فهو بذلك العقل البدائي للإنسان بتعبير شتراوس ،أي أن مهمة الدين الأساسية تتمثّل في إنتاج حوافز دائمية للناس، تجعلهم يقرّون بكل ما هو غيبي بوصفه حقاً معقولاً ،وصياغة مفاهيم متعالية مشتركة عن النظام العام للوجود وكيفية جعله واقعياً،فالمجتمع بتعبير مارسيل موس" يخدع نفسه على الدوام"([i]) بذلك فإنّ الدين يتجاوز نسقيّة الاجتماعي وتنظيماته ،ليكون بصفةٍ لاحقةٍ المؤسس له ، فهو نسق ثقافيّ بالدرجة الأولى يستثمر قدرته المتعالية في إشاعة الإذعان لكي يؤسس إلى انساقٍ موازيةٍ لا تخرج على فرضياته، لذلك يرى كليفورد غيرتز فيه "روح الجماعة لدى شعبٍ من الشعوب ،هي الجو العام والخاصية التي تطبع حياة الناس في ذلك الشعب ، وهي أسلوب هذا الشعب فيما يتعلّق بالأخلاق والذوق الجمالي والمزاج العام، بل هي موقفهم الأساسي تجاه أنفسهم واتجاه العالم كما ينعكس ذلك في الحياة،أمّا نظرتهم إلى العالم فهي الصورة التي تتكوّن لديهم عن الأشياء كما هي في الواقع المحض،هي مفهومهم عن الطبيعة،عن الذات،عن المجتمع، وهي تحوي أكثر ما لديهم من الأفكار شمولاً "([ii])) أي أن مهمة الدين لا تتعلق فقط بتقديم وقائع أخلاقية بوصفها نماذج تنتمي لعالم غيبي ،بل ترويض الناس وكبح جماح الأسئلة التي تحاصرهم عبر إحالتها إلى أصلٍ غير مرئي ، فيكون جوابه شكلاً من أشكال الإشغال المؤقت كبديل عن العلم، و توثيقاً لهويةٍ موحّدةٍ تميز جماعةً من الناس، كتعبيرٍ عن وجودهم وفق أسلوبٍ معيّنٍ يميّزهم عن سواهم من الجماعات إذ "يوفّر السبيل أو الطريق الديني نمطاً بنيوياً مروّضاً على الانضباط للحياة ،وترسم حدود نمط الحياة هذا القواعد والنواميس التي يلتزم بها كلّ دينٍ من الأديان، ويوفر الطريق أسلوباً منظماً وخلقياً للحياة قائماً على أساس اكتساب الفضيلة التي تقيم التوازن على ما يُعرف بالبعد الأفقي للحياة الإنسانية ، فممارسة الانضباط الروحاني مع وجود الأساس الضروري لميزة الفضيلة ، يُفهم منها أنها تملك القدرة على تغيير الوعي المرتبط بالتقدم على ما يسمى البعد العمودي لحياة الإنسان" ([iii]).
[i]) ) الرمز والسلطة :19،بيير بورديو ،ترجمة عبدالسلام بنعبدالعالي ،دار توبقال المغرب 2007 ط3
[ii]) ) تأويل الثقافات :290،كليفورد غيرتز،ترجمة د.محمد بدوي،المنظمة العربية للترجمة بيروت 2009 ط1
[iii]) ) تراثنا الروحي من بدايات التاريخ الى الأديان المعاصرة : مقدمة 8/5،سهيل بشروئي ومرداد مسعودي، دار الساقي بيروت 2011 ط1
